السبت، 21 يونيو 2008

هل المحطات الإذاعية الجديدة في المستوى؟

بعد ظهور العديد من المحطات الإذاعية الجديدة
إلى أي حد تستجيب هذه المحطات لمتطلبات المستمع المغربي؟

أنس العقلي/أسبوعية المستقل

عرفت السنة الأخيرة ظهور مجموعة من المحطات الإذاعية الجديدة، وأصبح جهاز الراديو في كل بيت مغربي غنيا بالمحطات الإذاعية المتنوعة، إلا أن مجموعة من الملاحظات ظلت تحوم حول المضمون الذي تقدمه بعض المحطات، من تغليب اللغة الفرنسية وأغاني الراب والغربي، إلى ارتفاع درجة الميوعة في بعض البرامج.. ويظل السؤال المطروح هو هل تستجيب جميع المحطات الإذاعية الجديدة لتطلعات المستمع المغربي؟

عرفت السنة الأخيرة منح التراخيص لمجموعة كبيرة من المحطات الإذاعية الجديدة بالمغرب، من طرف المجلس الأعلى للاتصال السمعي البصري، حيث رخص المجلس لإحدى عشرة محطة إذاعية وتلفزيونية بينها فضائية إخبارية وإذاعة موسيقية وإذاعة عامة وإذاعة تهتم بالمواضيع الاقتصادية والمالية وإذاعات محلية تغطي في مجملها كافة أنحاء المغرب.
وقد قام المجلس الأعلى السمعي و البصري بمنح هذه التراخيص في إطار المهمة الموكولة إليه والمتجلية في تحرير القطاع السمعي البصري في المغرب ورفع احتكار الدولة على هذا المجال.

تغليب اللغة الفرنسية والموسيقى الغربية

وهكذا أصبح جهاز الراديو في كل بيت مغربي غنيا بالمحطات الإذاعية المختلفة والمتنوعة، ولكن السؤال الذي يظل مطروحا هو إلى أي حد تستجيب هذه المحطات الإذاعية الجديدة لتطلعات المستمع، وإلى أي حد تساهم في الحفاظ على الثراث والهوية المغربية؟.
أول شيء نلاحظه على بعض المحطات الإذاعية الجديدة، هو تغليب اللغة الفرنسية والاعتماد عليها في جل البرامج والنشرات الإخبارية وكأننا نعيش في بلد أوروبي، وإذا اعتبرنا أن أغلب المغاربة لا يتكلمون اللغة الفرنسية، يمكن أن نتساءل: لمن هي موجهة هذه المحطات الإذاعية؟
ومن جانب آخر يلاحظ المستمع لهذه المحطات أن معظمها لا تولي اهتماما للموسيقى المغربية، وتعتمد أساسا على موسيقى الراب والموسيقى الغربية، في الوقت الذي كان ينبغي فيه أن تلعب هذه المحطات الإذاعية دورها في التعريف بالفن المغربي والموسيقى المغربية والفنانين المغاربة، وفي الوقت نفسه الحفاظ على الثراث الفني المغربي وحمايته من التراجع والاندثار.

هل أصبحت الميوعة لغة القرن 21 عند البعض؟

ومن الملاحظات الأخرى التي يمكن استخلاصها حول بعض المحطات الإذاعية، الاعتماد على بعض المهرجين الذين لا علاقة لهم بمجال التنشيط الصحفي، الذي بات اليوم مجالا عمليا له قواعده وآلياته التي لا يمكن اكتسابها إلا من خلال الدراسة والتكوين.
ويتضح جهل هؤلاء الأشخاص بميدان التنشيط من خلال طريقتهم غير المهنية في التقديم، حيث يقولون أي شيء بشكل يصل أحيانا إلى درجة الميوعة، ويصل في أحيان أخرى إلى درجة الخروج عن السطر، ومن جانب آخر نجد أن بعضهم لا يزال متشبثا بفكرة أن المستمع المغربي عقله صغير لدرجة أنه سيضحك ويقتنع بجودة المحطة الإذاعية بمجرد سماعه لشخص يتحدث بلهجة الإنسان البدوي "العروبي" من خلال أمواج الإذاعة.
ومن المنشطين الذين أبلوا بلاء حسنا في مجال الميوعة، لا يزال الجميع يتذكر البرنامج الذي كان يقدمه "نور الدين كرم" على أمواج إذاعة "رابا شين أنتير"، وهو الصحفي المهاجر الذي عاد إلى المغرب ليقدم برنامجا على شاكلة البرامج الإذاعية في فرنسا. وقد حقق البرنامج نسب متابعة قياسية، ولكنه في الآن نفسه تعرض لموجة شديدة من الانتقادات القاسية، خصوصا حول اللغة المستعملة التي وصفت بالمائعة، وكذلك موضوع البرنامج الذي كان يقوم على المصالحة بين المحبين مباشرة على الهواء، أو استلام أرقام الهواتف والمعلومات من المستمعين بهدف تنظيم المواعيد بينهم. وقد تم توقيف البرنامج بعد حوالي سنة من البث حقق خلالها رقم متابعة قياسيا.
وكان المنشط "مومو" أكثر ميوعة في برنامجه الذي كان يقدمه في فترة الليل، حيث وصلت به الجرأة ذات ليلة إلى الدخول في حوار على الهواء مباشرة مع طفل تعرض للاغتصاب، وظل يستفسره ويطلب منه عرض طريقة الاغتصاب بتفاصيلها والشعور الذي أحس بها أثناءها، وقد تم توقيف البرنامج بعد ذلك لأن المنشط كان يجب عليه أن يقوم بدور المربي والموجه تجاه طفل قاصر، وهو الشيء الذي لم يقم به "مومو"، حيث كان يطلب من الطفل القاصر الاستمرار في شرح ما وقع له.

آراء الشارع

من خلال مجموعة من الآراء التي استقتها "المستقل" من الشارع المغربي، استنكر العديد من المواطنين ظاهرة تغييب اللغة العربية في بعض المحطات الإذاعية، وإجراء الحوارات خصوصا الهامة منها باللغة الفرنسية. وانتقد المواطنون الذين قابلناهم الارتجالية في البرامج المقدمة، ووصفوها بالبرامج غير الهادفة.
واشتكوا من غياب البرامج والأخبار التي تحمل هم المواطن العادي، مطالبين معالجة حقيقية للواقع وطرح المشاكل الكبرى التي يعاني منها المواطن المغربي. كما انتقد أغلب من استقينا آراءهم الذوق الهابط الذي تروج له بعض المحطات الإذاعية الجديدة من خلال تقديمها لأغاني لا تمت للثقافة المغربية بصلة؛ وبالمقابل ذهب آخرون إلى أن الشباب المغربي هو الذي يدفع بعض الإذاعات إلى بث الموسيقى الغربية وموسيقى الراب لأنها أصبح يطلبها ويستمع إليها بكثرة.

حسن نادر، رئيس تحرير المحطة الإذاعية "شذى إف إم": "الراديو أخطر وسيلة إعلامية ومبدأ "الجمهور عايز كده" غير مطلوب"

هل تنال اللغة العربية حقها في المحطات الإذاعية الجديدة؟

أولا لا يجب إطلاق أحكام عامة على جميع المحطات الإذاعية، فنحن في محطة "شذى إف إم" نعتمد مبدأ الموازنة بين اللغتين العربية والفرنسية، بالإضافة إلى ما نعتبره اللغة الثالثة أو اللغة الوسيطة، وهي لغة عامية مفصحة ومهذبة وبعيدة عن الإسفاف والابتذال. ونعتمد في النشرات والبرامج الإخبارية على العربية الفصحى، بينما نعتمد على اللغة العامية المفصحة في البرامج التنشيطية، وغالبا ما نمزج في برامجنا التنشيطية بين اللغتين العربية والفرنسية بشكل متوازن، من أجل تلبية رغبات جميع شرائح المستمعين، لذلك فنحن نشترط الازدواجية اللغوية في صحافيينا ومنشطينا عند انتقائهم.

هل للأغنية المغربية مكان في برامج محطة "شذى إف إم"؟

شعارنا الأساسي في محطة "شذى إف إم" هو أن نكون إذاعة الأغنية المغربية بامتياز، حيث نعمل على تقديم أطباق متنوعة من الأغاني المغربية. وقد ساهمنا في إعادة التوزيع الموسيقي للعديد من القطع المغربية لفنانين تركوا بصمتهم في مجال الأغنية المغربية كعبد الوهاب الدكالي ونعيمة سميح ولطيفة رأفت وغيرهم، بالإضافة إلى إعادة التوزيع لأغاني فولكلورية من الثراث المغربي للعديد الفنانين الشعبيين من بينهم الحاجة الحمداوية. وجاءت فكرة إعادة التوزيع الموسيقي لهذه الأغاني، طبعا بالتنسيق مع أصحابها، من منطلق إيصال الأغنية المغربية والثراث المغربي إلى الشباب المعاصر، وهو ما لا يمكن أن يتأتى إلا بإعادة توزيع هذه الأغاني في حلة أكثر ملاءمة لروح العصر.

ما موقفكم من البرامج التي تهدف إلى تحقيق نسبة استماع عالية ولو على حساب سمعة الإذاعة؟

إن هذه البرامج عموما عمرها قصير، لأنها سرعان ما تموت عندما يمل الناس منها وتكثر الانتقادات الموجهة إليها، نحن لا نجد مانعا من كسر الطابوهات والحديث عن المسكوت عنه، ولكن يجب أن يتم ذلك بطريقة لا تخدش الاحترام العام، لذلك فنحن نقوم بتكوين منشطينا وندربهم على استعمال لغة مهذبة بعيدة عن الإسفاف والألفاظ السوقية. فأنا شخصيا أعتبر الراديو أخطر أخطر وسيلة إعلامية، لأنه يمكن أن يصل إلى أي شخص، على عكس الجريدة مثلا، التي لا يمكن للشخص أن يقرأها إلا إذا كان يعرف القراءة وتوجه إلى الكشك وقام بشرائها بكامل إرادته. لذلك ففي الراديو لا يجب العمل بمبدأ"الجمهور عايز كده"، بل يجب الحرص على ملاءمة البرامج لجميع الشرائح التي تشكل المستمع المفترض.

الاثنين، 16 يونيو 2008

المهدي بنبركة لم يمت

بعد 43 سنة من حادثة اختطافه
المهدي بنبركة ما زال حيا

يبدو أن شبح المهدي بنبركة سيتبع المتهمين بقتله إلى الأبد، فبعد مرور أزيد من 43 سنة على اختفاء المعارض اليساري المغربي لا زالت تداعيات القضية تطفو على السطح بين الفينة والأخرى، معلنة شوطا آخر لهذه التراجيديا التي يبدو كأنها لن تنتهي.. فهل يستطيع ميلود التونزي، وهو أحد المتابعين في القضية، إسقاط مذكرة القاضي باتريك راماييل القاضية باعتقال خمسة مسؤولين مغاربة منهم جنرالان متابعين في ملف بنبركة؟

تم مؤخرا فتح تحقيق ضد مجهول لدى محكمة باريس العليا من طرف النائب العام للجمهورية، بتهمة الإخلال بسرية التحقيق في قضية اختطاف المعارض المغربي المهدي بنبركة عام 1965، وذلك بعدما كشفت قناة فرانس3 الفرنسية في أكتوبر 2007 عن وجود مذكرات دولية باعتقال خمسة مسؤولين مغاربة، على رأسهم الجنرالان حسني بنسليمان وعبد الحق القادري.
وجاء طلب فتح التحقيق إثر مخابرة قضائية ضد مجهول صدرت في 25 فبراير 2008 بعد شكوى تقدم بها ميلود التونزي قبل بضعة أشهر، والذي ورد اسمه بين المطلوبين الخمسة في مذكرات القاضي الفرنسي باتريك راماييل المكلف بالتحقيق في ملف اختطاف المعارض المغربي الاشتراكي المهدي بنبركة.
ففي أكتوبر 2007 بثت قناة فرانس 3 تحقيقا عن قضية المهدي بنبركة، وأعلنت فيه أن القاضي الفرنسي راماييل المكلف بالملف أصدر خمس مذكرات توقيف في حق خمسة مسؤولين أمنيين مغاربة، من بينهم الجنرالان بنسليمان والقادري؛ لينشر التونزي إثر ذلك بلاغا رسميا صرح فيه بأنه تلقى مكالمة هاتفية من الصحفي جوزيف توال صاحب التحقيق قبل يومين من بثه على قناة فرانس3، وقال التونزي إن الصحفي الفرنسي أخبره بأن هناك مذكرة توقيف ستصدر ضده خلال 24 ساعة.
وبعد شهر من هذه المكالمة رفع التونزي دعوى رسمية في شهر نونبر2007 بخرق سرية التحقيق ضد جوزيف توال، وفي 25 فبراير الماضي رفعت دعوى قضائية ضد مجهول بدعوى المساس بسرية التحقيق. واليوم يفتح النائب العام للجمهورية لدى محكمة باريس العليا تحقيقا لتحديد المسؤول عن هذه التسريبات في ملف بنبركة ذي الحساسية البالغة.
وبينما تسير كل المعطيات نحو أن القاضي الفرنسي راماييل هو من سرب خبر تلك المذكرات، يراهن المغرب على وجود خطأ في الشكل لإفراغ تلك المذكرات من قيمتها.

القاضي راماييل يزور المغرب ليواجه المتهمين

وكان القاضي الفرنسي باتريك راماييل قد زار المغرب سابقا من أجل الاستماع إلى مسؤولين سابقين يعتبر أنهم شاركوا من مستويات مختلفة في عملية الاختطاف، وذلك ليستمع إليهم كشهود وليس كمتهمين، في إطار لجنة الإنابة القضائية في هذا الموضوع. وكانت المهزلة أنه عندما سأل عن عنوان الجنرال بنسليمان أجابه القاضي المغربي بأنه لا يعرف أين يقيم قائد الدرك الملكي.
وكان البشير بنبركة نجل الزعيم المغربي المعارض، قد أعلن لوسائل الإعلام الوطنية أنه طالب وزير العدل عبد الواحد الراضي بتفعيل مذكرة التوقيف التي أصدرها القاضي الفرنسي راماييل في حق كل من الجنرال حسني بنسليمان الذي يشغل حاليا منصب قائد قوات الدرك الملكي، وعبد الحق القادري المدير السابق للاستخبارات العسكرية، وميلود التونزي الملقب بالشتوكي، ومحمد العشعاشي وبوبكر الحسوني، وهم ثلاثة عناصر سابقة في "الكاب 1"، إحدى وحدات الأجهزة السرية من المخابرات المغربية.
وأضاف البشير بنبركة أن "طلب توقيف تلك الشخصيات المغربية الخمس من طرف القاضي راماييل جاء بناء على المهام التي كانت تشغلها إبان اختطاف بنبركة في نهاية أكتوبر 1965، حيث كان حسني بنسليمان، يقول البشير، يشغل منصب "كابتان" في ديوان وزير الداخلية آنذاك الجنرال محمد أوفقير، فيما كان القادري ملحقا عسكريا بالسفارة المغربية بباريس، أما العشعاشي والتونزي والحسوني فقد كانوا عناصر في الكاب1."
ويراهن البشير بنبركة على الملك محمد السادس والرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي في الكشف عن حقيقة اغتيال والده، و قال البشير: "عائلة بنبركة لا تريد أن تنتقم من أحد، وإنما تريد أن يكون للمهدي قبر تزوره للترحم عليه."
وقد كشفت الدولة الفرنسية عن بعض الوثائق تحت ضغوطات البشير بنبركة الذي ظل يكافح من أجل إنصاف والده، ولكنها كانت وثائق جزئية. ولم تكشف فرنسا عن أوراق أهم وخصوصا حقيقة المسؤولين ومدى علمهم بالعملية. ليبقى السؤال العريض الذي يطرح نفسه اليوم هو لماذا لم يقم المغرب بعد 43 سنة من هذا الحادث بوضع حل نهائي لهذا الملف، وتحديد القاتلين، وطي هذه الصفحة التي تسيء إلى سمعة البلاد كلما طال مسلسلها؟

لغز بنبركة حير هيئة الإنصاف والمصالحة

وكان تشكيل هيئة الإنصاف والمصالحة فرصة مناسبة لإيجاد حل نهائي لقضية بنبركة وطي هذا الملف الشائك بشكل نهائي، إلا أن الهيئة عجزت عن فك هذا اللغز، شأنها شأن القضاة الذين تكلفوا بملفه منذ اختطافه، حيث ظلوا يصطدمون بالحاجز الكبير الذي هو حفظ أسرار الدولة المغربية والفرنسية.
وكان إدريس بنزكري رئيس هيئة الإنصاف والمصالحة قد قال في حوار له مع قناة الحرة إن هيئة الإنصاف والمصالحة بحثت في ملف بنبركة ووصلت إلى جزء من الحقائق في هذا اللغز، واستمعت إلى مسؤولين سابقين من المغرب شاركوا بشكل مباشر أو غير مباشر، أو كانوا حاضرين أثناء عملية اختطاف بنبركة. وأضاف بنزكري إن فرنسا هي المسؤولة المباشرة عن جزء خطير جدا من العملية، وهي عملية الاعتقال والاختطاف والقتل داخل التراب الفرنسي، وأن هذه حقيقة لا يتحدث عنها الجميع بشكل واضح وصريح. ولحد الآن لم تكشف وثائق الأرشيفات الفرنسية عن حقيقة ما جرى بالضبط في هذه العملية. وأضاف إن هيئة الإنصاف والمصالحة عند بحثها في الموضوع كان تركيزها الأساسي هو البحث عن جثمان المهدي بنبركة، وقادها هذا البحث إلى مراجعة العملية منذ البداية، فوجدت مناطق ظل تم التستر عليها.
وإذا كان الصحفي الإسرائيلي شمويل سيغيف، الذي ألف كتابا حول القضية، يحمل الموساد جريمة اغتيال بنبركة، فإن إدريس بنزكري حملها لفرنسا بشكل مباشر، مع تحميل مسؤولين مغاربة نصيبا من المسؤولية. وعزى ذلك إلى أن الاغتيال تم داخل الأراضي الفرنسية وبعلم وبحضور مسؤولين كبار من النظام الفرنسي.

اغتيال بنبركة والروايات المتعددة

اغتيل المهدي بنبركة العضو القيادي في حزب الاتحاد الاشتراكي سنة 1965 بباريس على يد المخابرات المغربية والفرنسية والأمريكية والإسرائيلية (الموساد). وكان بنبركة مناضلا حزبيا وأستاذا لمادة الرياضيات، حصل على شهادة الإجازة في الرياضيات بالجزائر سنة1944 ودرس في الكلية الملكية بالرباط، حيث كان لملك الراحل الحسن الثاني واحدا من طلبته. واختلفت الروايات حول طريقة اختطافه واغتياله وتذويبه في حامض الكبريت أو في ماء النار، كما تعددت الأخبار حول مكان دفن جثته.
وتولى عدة مناصب أهمها انتخابه رئيساً لاتحاد طلاب شمال إفريقيا عندما كان يدرس الرياضيات بالجزائر، وفي عام 1956 انتخب رئيساً للجمعية الوطنية الاستشارية، كما انتخب قبيل اختطافه رئيساً لمنظمة تضامن شعوب آسيا وإفريقيا.
وتعددت الروايات حول سيناريو الاختطاف والقتل، وتبقى الرواية الأكثر شيوعا أن بنبركة وصل يوم الجمعة 29 أكتوبر 1965 إلى باريس قادما من جنيف بجواز سفر دبلوماسي جزائري، ووضع حقائبه في منزل صديقه اليهودي المغربي جو أوهانا، ليتوجه بعد ذلك سيرا على الأقدام إلى حانة "ليب" بشارع سان جرمان بالعاصمة الفرنسية باريس، حيث كان على موعد مع بعض الأشخاص من بينهم المنتج السينمائي جورج فيغون، الذي أوهم بنبركة بأنه مكلف بإنتاج فيلم وثائقي حول موضوع إزالة الاستعمار بقلم الكاتبة الفرنسية مارغريت ديراس وإخراج جورج فرانجو، كما تم إيهام بنبركة بأنهم يحتاجون إلى مساعدته كمستشار تاريخي، ولم تكن هذه القصة سوى فخا كبيرا لاستدراج المعارض التقدمي، حيث أوقفه في تلك اللحظة شرطيان فرنسيان باللباس المدني هما لوي سوشون وروجيه فواتو، واقتاداه بالسيارة التي كان يقودها المخبر الفرنسي انطوان لوبيز إلى فيلا يمتلكها جورج بوشيساش بفونتني لوفيكونت بالضواحي الجنوبية لباريس، حيث قيدت قدماه ووثقت يداه وراء ظهره، ووضع الدليمي رأسه في إناء مليء بالمياه، وفي لحظة ما أفرط في الضغط على حلقه مما أدى إلى موته اختناقا. وبعد ذلك وصل وزير الداخلية المغربي آنذاك الجنرال أوفقير إلى باريس لتنظيم عملية الدفن التي جرت بسرية كبيرة في باريس بعد أيام من وفاته.
وكان بنبركة قد تعرض قبل اختطافه إلى محاولات اغتيال في المغرب إحداها بواسطة سيارة تابعة للشرطة، وقد أحدثت تلك المحاولة عطباً في فقرات رقبته اضطرته إلى استخدام اللفافة حول عنقه وهي التي يستخدمها المصابون بتكلس فقرات الرقبة أو فقرات أعلى الظهر. كما تعرض أيضا لمحاولات اغتيال بجنيف وحوكم بالإعدام بسبب مواقفه السياسية.
وأصبحت قصة بنبركة مادة حكائية دسمة استغلها العديد من الكتاب والروائيين في إبداعاتهم القصصية والروائية، كما استغلها العديد من المخرجين في أفلامهم السينمائية، كان آخرها فيلم "شاهدت اغتيال المهدي بنبركة" للمخرجين سعيد السحيمي وسيرج لو بيرون والذي تم عرضه سنة 2005.
وقال شمويل سيغيف إن المعارض المغربي المهدي بنبركة الذي اختطف منذ 42 عاما في باريس، قتل بيد أحمد الدليمي الذي كان الرجل الثاني في الشرطة السرية المغربية ودفن في العاصمة الفرنسية.
وأضاف سيغيف إن الجنرال أحمد الدليمي لم يكن يريد قتله، بل فقط إجباره على الاعتراف بأنه ينوي إسقاط نظام الملك الحسن الثاني.
وشاءت الأقدار أن يموت الدليمي في حادثة سير في ظروف غريبة وغامضة عرف بعدها أنه كان يخطط لقلب نظام الحسن الثاني، ونفس الشيء بالنسبة للجنرال أوفقير الذي كان العقل المدبر للانقلاب الفاشل سنة 1972 حيث قام بقصف الطائرة الملكية، كما كان الرأس المدبر قبل ذلك التاريخ لمحاولة انقلاب الصخيرات.

هل أقصيت الوداد بمؤامرة؟

هل أقصيت الوداد بمؤامرة؟

أسبوعية المستقل/أنس العقلي


انهزم فريق الوداد البيضاوي في إياب نهائي دوري أبطال العرب أمام نظيره وفاق سطيف الجزائري بهدف لصفر، وهي نفس النتيجة التي كان قد انهزم بها في لقاء الذهاب بمدينة الدار البيضاء، لتبقى الكأس بالجزائر ويعود الفريق البيضاوي إلى المغرب خالي الوفاض.
وبهذا يكون فريق الوداد البيضاوي قد ضيع آخر أمل في إنقاذ موسمه الرياضي، بعد خروجه من منافسات كأس العرش، واحتلاله لمراكز وسطى في الترتيب العام للبطولة الوطنية. علما أن القلعة الحمراء صرفت في بداية الموسم أكبر مبلغ على انتدابات اللاعبين بين أندية البطولة، ناهز 900 مليون سنتيم.
وقبل أن نتكلم عن التحكيم الذي تحيز بشكل واضح للفريق الجزائري ورفض هدفا مشروعا للوداد فيما احتسب هدفا غير صحيح لوفاق سطيف، يجب أن نتحدث أولا عن المشكل الذي افتعله الرئيس السابق للوداد نصر الدين الدوبلالي ضد المدرب أوسكار فيلوني قبل لحظات من التوجه إلى الجزائر لإجراء مباراة الحسم، حيث طالبه بأداء مبلغ 36 مليون سنتيم تعويضا على الشقة التي كان يستفيد منها خلال تدريبه للوداد في موسم 2002. وهذا ما خلق بلبلة كبيرة وجوا من التوتر داخل الوداد، في الوقت الذي كانت تحتاج فيه مكونات الفريق إلى قمة التركيز، وعلى رأسهم المدرب أوسكار.
وقد تم اختيار هذا التوقيت الحساس بدقة لتفجير هذه القنبلة التي جعلت المدرب أوسكار يتنقل بين ردهات المحاكم ويتخذ محاميا ساعات قليلة قبيل لقاء النهاية، خصوصا بعد الحجز على مرتبه الشهري، حتى وصل الأمر بالمدرب الأرجنتيني إلى اتهام بعض الوداديين بالتحامل عليه، وهدد في لحظة من اللحظات بعدم مرافقة الوداد إلى الجزائر.
ويظل السؤال المطروح هو ما هي مصلحة الدوبلالي من هزيمة الوداد؟.

روبورتاج: كيف يشاهد عشاق الرياضة بالمغرب مباريات العرس الأوروبي؟

بعدما فشلت القنوات الوطنية في شراء حقوق البث
كيف يشاهد المغاربة نهائيات كأس أوروبا؟

أنس العقلي/جريدة المستقل

تتوجه الأنظار هذه الأيام إلى النمسا وسويسرا اللتين تحتضنان مناصفة نهائيات كأس أوروبا 2008، ويجد المغاربة أنفسهم محرومين من متابعة مباريات أفضل بطولة قارية في العالم، بعدما عجزت القنوات المغربية عن الحصول على رخصة نقل الحدث الأوروبي من قناة الجزيرة الرياضية التي تحتكر حقوق النقل للبطولة في الوطن العربي..

يشتهر الجمهور المغربي بعشقه الكبير لكرة القدم، وخصوصا الكرة الأوروبية، التي تتميز بمستوى راق وحس احترافي وجودة عالية، لذلك كان لا بد من اختيار وسيلة لمشاهدة مباريات العرس الأوروبي الذي يقام كل أربع سنوات وتتنافس فيه أقوى منتخبات القارة العجوز.
وتختلف ميولات متتبعي هذه البطولة الهامة، فإذا كان البعض يفضل الذهاب إلى المقاهي لمتابعة المباريات في أجواء حماسية، فالبعض الآخر سارع إلى شراء بطاقة اشتراك الجزيرة الرياضية من أجل متابعة اللقاءات في البيت في أجواء عائلية، إلى جانب فئة أخرى فضلت اللجوء إلى الفضائيات الأوروبية من أجل ضمان مشاهدة مجانية ولو على حساب التعليق بالعربية.
ومن المؤكد أن متابعي قناة زيد دي إيف الألمانية على القمرين أسترا وهوتبورد سيتضاعفون هذا الصيف، بسبب ازدياد أعداد كبيرة من المشاهدين العرب لقائمة متتبعي هذه القناة وغيرها من المحطات الأوروبية التي عودتنا على كسر خطة الشرود للجزيرة الرياضية ونقل المباريات بشكل مجاني في كل مناسبة رياضية هامة.

المقاهي ترفع الفاتورات

قبل نصف ساعة من انطلاق المباراة، امتلأت المقهى عن آخرها بالمتفرجين الذين جمعهم عشق الكرة وحب المنتخبات الأوروبية، وهناك عمدنا إلى استقاء بعض الآراء، التي جعلت هؤلاء المتفرجين يختارون المقهى، يقول خالد:" أفضل متابعة المباريات في المقهى مع الأصدقاء، لأن ذلك يضفي على المقابلة أجواء من الحماس والإثارة." وقد كثر الإقبال بشكل ملحوظ على المقاهي منذ انطلاق نهائيات كأس أوروبا، مما دفع بأصحابها إلى استغلال الفرصة وزيادة أثمان المشروبات، الشيء الذي لم يؤثر على نسبة الإقبال.
وإذا كان عشاق متابعة كأس أوروبا في المقاهي يبحثون عن أجواء الحماس، فهناك من يعتقد العكس، يقول كريم:"أفضل مشاهدة المباريات في البيت مع العائلة، لذلك قمت بشراء بطاقة الاشتراك في قناة الجزيرة الرياضية، حتى أضمن التعليق العربي، وحتى أتفادى ضجيج المقهى وكثرة المدخنين والألفاظ النابية."

قنوات أوربية مجانية تنقل الحدث

أما خبراء الفضائيات فهم دائما يجدون الحلول، ويتوفرون على شفرات لمشاهدة القنوات الأجنبية التي تقوم بنقل المباريات، أو يشترونها بأثمان بخسة أقل بكثير من ثمن بطاقة الاشتراك، كما هو الشأن بالنسبة لباقة القنوات الفرنسية المعروفة بtps، هذا دون أن ننسى المحطات التلفزيونية الأجنبية التي تنقل المباريات بشكل مجاني، دون الحاجة إلى البحث أن الشفرة، والتي يقول عنها إلياس وهو أحد المتتبعين لليورو 2008:"هناك سوبكاست وإم 6 وتي في1 وتيلسات ودوبلفي 3، بالإضافة إلى باقة القنوات السويسرية تي إف1 لمن أراد التعليق باللغة الفرنسية، وعموما أنا أفضل مشاهدة هذه القنوات حتى ولو كانت باللغة الفرنسية."
ثم يضيف ضاحكا:"وبالنسبة للذين يفهمون اللغة الألمانية فبإمكانهم مشاهدة كأس أوروبا على قناة زيد دي إف الألمانية."
والحقيقة أن حتى الذي لا يفهم الألمانية ويريد مشاهدة المباريات بالتعليق العربي فما عليه سوى توجيه جهاز الاستقبال نحو القمر عربسات ليتمكن من مشاهدة قناة الجزيرة الرياضية بدون بطاقة اشتراك، وهذا بالضبط ما يفعله رشيد الذي يقول:" مشاهدة التظاهرة ممكنة في "الفيد المفتوح" للجزيرة الرياضية في قمر عربسات بالتعليق العربي، إنها طريقة لمخادعة القناة ومشاهدة المباريات دون التوفر على بطاقة الاشتراك".

احتكار التعليق العربي فقط

إن ما نلاحظه من خلال كل هذه الآراء مجتمعة هو أن القنوات الأوروبية التي تنقل الحدث كثيرة ومتنوعة ومجانية، مما يجعل احتكار النقل داخل الوطن العربي بالنسبة للجزيرة الرياضية مجرد احتكار للتعليق العربي فقط، وما دام جل العرب يفهمون الفرنسية والإنجليزية فمتابعة مباريات العرس الأوروبي ممكنة ومتوفرة للجميع وبشكل مجاني.
لذلك يمكن القول إن المغاربة لم يتأثروا كثيرا بعدم تمكن القنوات المغربية من شراء حقوق بث مباريات اليورو، هذه القنوات التي لم تعد تقنع بمداخيلها من ضرائب المواطنين، وأصبحت تشترط شراء جهاز التي إن تي العجيب من أجل مشاهدة برامج أغلبها رديء، مع العلم أن الجهاز الخارق لا يضمن للمشاهد متابعة مباريات كأس أوروبا.

الاثنين، 9 يونيو 2008

هل تفقد الكرة المغربية هيبتها؟

بعد البداية الباهتة في مشوار إقصائيات كأس إفريقيا والعالم


أنس العقلي/أسبوعية المستقل

طرحت البداية الضعيفة للمنتخب الوطني في إقصائيات كأس إفريقيا والعالم عدة تساؤلات حول سبب فقدان الكرة المغربية للكثير من بريقها في الساحة الإفريقية والعالمية، خصوصا بعد فشل المنتخب المغربي في التأهل إلى كأس العالم لمرتين وكذلك خروجه السريع من نهائيات كأس إفريقيا في مناسبتين متتاليتين، دون إغفال الحضور الضعيف للأندية المغربية في المناسبات القارية..

لم يكن أكثر المتتبعين تشاؤما ينتظر من المنتخب الوطني ذلك الأداء الباهت وغير المقنع في أولى خرجاته في المشوار الإقصائي المزدوج المؤهل إلى نهائيات كأسي إفريقيا والعالم 2010، أمام منتخب إثيوبيا الذي يعد من أضعف المنتخبات العالمية، مما وضع علامة استفهام كبيرة حول سبب تراجع كرة القدم المغربية خلال العقد الأخير بشكل يدعو للقلق، حيث بدأ المنتخب الوطني يفقد هيبته بشكل تدريجي، رغم أن الإمكانيات أصبحت أكبر من مما كانت عليه في الماضي، وكذلك أجور اللاعبين والمدرب، كما تراجع أداء الأندية المغربية في الملتقيات القارية، لتحل محلها الأندية التونسية والمصرية. وأكبر دليل على ذلك الغياب الطويل عن نهائي كأس عصبة الأبطال الإفريقية وحتى عن الاتحاد الإفريقي.
لقد عجز المنتخب الوطني عن الفوز بكأس إفريقيا منذ ثلث قرن، وفشل في التأهل لكأس العالم خلال الدورتين الأخيرتين، وخرج من الدور الأول من نهائيات كأس إفريقيا لمرتين متتاليتين بشكل مخجل، وأخفق المنتخب الأولمبي في التأهل إلى دورة بيكين، وأمام اندهاش المتتبعين أقصي الجيش الملكي أمام فريق مغمور من الرأس الأخضر في الأدوار الأولى من إقصائيات عصبة الأبطال الإفريقية، وعجز الوداد عن تخطي عقبة وفاق سطيف في نهائي دوري أبطال العرب؛ وخلاصة القول أن الكرة المصرية والتونسية وحتى الجزائرية أصبحت تتفوق على نضيرتها المغربية بعدما كان العكس هو الحاصل ولعقود طويلة.
لقد كان المنتخب المغربي في وقت من الأوقات ندا قويا لأعتى المدارس العالمية، بدليل أنه كان أول منتخب عربي يتأهل إلى كأس العالم في دورة مكسيكو 1970 وأول منتخب عربي يتأهل إلى ثمن نهاية كأس العالم في مكسيكو 1986. هذا دون أن ننسى الفوز التاريخي باللقب الإفريقي في دورة أديس أبابا 1976 بإثيوبيا. ويمكن القول إنه إلى حدود نهائيات كأس العالم فرنسا 1998 كان المنتخب المغربي لا يزال يقدم عطاء جيدا، أما اليوم وبهذه الخرجة الخاطئة أمام منتخب إثيوبيا برسم إقصائيات كأسي إفريقيا والعالم 2010 فإن ما يبدو للملاحظين هو أن المنتخب يحتاج إلى عمل كبير إذا أراد الظهور بمظهر يليق بكرة القدم المغربية في هذه المنافسات.

الموارد المالية هي المشكل الأكبر

هناك من يرجع أزمة الكرة المغربية إلى ضعف التسيير، خصوصا وأن جامعة كرة القدم مؤقتة منذ سنة 1997، بالإضافة إلى أن مسيري الأندية في الغالب لا يفهمون في كرة القدم بقدر ما يفهمون في أشياء أخرى، وهناك من يرجع أسباب الأزمة إلى قلة الملاعب الصالحة لإجراء مباريات في كرة القدم، حيث لا يتوفر المغرب إلا على ثلاثة ملاعب تخضع للمعايير الدولية وهي مركب محمد الخامس ومركب مولاي عبد الله والمركب الجديد بفاس، والملاعب الأخرى هناك منها التي تتوفر على عشب جيد و لكنها صغيرة الحجم كملعب العبدي بالجديدة وملعب الأب جيكو بالبيضاء، أو تتوفر على مدرجات متوسطة الحجم لكن بأرضية غير صالحة لمقابلة في كرة القدم كملعب الفتح بالرباط والملعب البلدي بالقنيطرة، وهنا يتساءل المرء: هل كان المغرب يتوفر على ملاعب في المستوى في 1986 أو 1976؟.
ويمكن القول إن عدم وجود موارد مالية كبيرة يبقى من أهم الأسباب على الإطلاق في تراجع أداء الأندية المغربية على المستوى العربي والقاري، حيث أن الإمكانيات المادية للأندية المصرية كالأهلي والزمالك والتونسية كالترجي والنادي الإفريقي تفوق بكثير إمكانات الوداد والرجاء والجيش وغيرها، لذلك نجد الكثير من اللاعبين المغاربة الجيدين يختارون اللعب في الخليج العربي من أجل تحسين أوضاعهم الاجتماعية، بسبب ضعف الأجور في الأندية المغربية، لذلك يجد اللاعب المغربي نفسه مضطرا لقبول عرض خليجي، وبالتالي يقتل موهبته في دوريات تعرف منافسة ضعيفة، ولعل اللاعب سفيان علودي أوضح نموذج على هؤلاء.
وبالمقابل لا يوجد لاعب تونسي أو مصري في الدوريات الخليجية، لأن هذين البلدين يصنعان النجوم، ويوفران الأجور العالية والملاعب الجيدة، كما يوظفون مسيرين لهم خبرة بكرة القدم وغيرة على منتخب بلادهم. لذلك فمن الطبيعي أن تتوج مصر ببطولة إفريقيا لمرتين متتاليتين في 2006 و 2008، وتتوج تونس بنفس البطولة سنة 2004 وتتأهل إلى كأس العالم 2006، دون أن ننسى سيطرة الأندية التونسية والمصرية على عصبة الأبطال الإفريقية وكأس الكاف والسوبر، في الوقت الذي يبحث فيه الرجاء والوداد فقط عن كأس العرب من أجل الجوائز المالية.

التجنيس الرياضي وهجرة اللاعبين

كل هذا أدى إلى مشاكل جديدة بدأت تعاني منها الكرة المغربية، على رأسها مشكل التجنيس الرياضي، ورفض عدد من اللاعبين المغاربة بأوروبا تلبية نداء المنتخب الوطني، حيث فضلوا اللعب بالبلدان التي يمارسون فيها، كما هو الشأن بالنسبة لإسماعيل العيساتي وعادل تاعرابت وابراهيم أفلاي وعادل الرامي، هذا الأخير الذي وصف لاعبي المنتخب الوطني بـ"الكلاب" في تصريح له أثار ضجة كبيرة.
كما ظهر أيضا مشكل (حريق) اللاعبين إلى أوروبا بشكل غير قانوني بسبب هزالة الرواتب، كما حصل مع مروان زمامة ويوسف قديوي وغيرهما، حيث يقبل خيرة اللاعبين عروض الاحتراف في الدوريات الأجنبية من أول وهلة، باحثين عن مستقبل أضمن، وهو ما لا نجده مثلا في الدوري المصري أو التونسي بسبب الرواتب الجيدة.
إن المغرب بلد زاخر بالمواهب الكروية والطاقات الواعدة، وما تجنيس هولندا وفرنسا والدول الأوروبية للاعبين المغاربة إلا دليل على كفاءة اللاعب المغربي، لذلك فالحل الأوحد هو استثمار طاقات ومواهب البلاد، وتعد فكرة مؤسسة "القدم الذهبي" فكرة عملية وجيدة من الناحية النظرية، ولكنها لحد الآن لم تعط ثمارها المرجوة.
وينتظر المتتبعون الكثير من المدارس الرياضية المنتظر إنشاؤها وعلى رأسها أكاديمية محمد السادس لكرة القدم، التي ستعمل على تأطير الشباب كرويا وعلميا حتى نحصل على أبطال رياضيين لهم مستويات دراسية عالية.
هذا إلى جانب الإصلاحات التي ستشهدها مجموعة من الملاعب الوطنية خلال نهاية هذا الموسم، وعلى رأسها إصلاح المنصة المغطاة لمركب الأمير مولاي عبد الله بالرباط التي تعرف تصدعات، وتركيب لوحة إلكترونية بمواصفات دولية بمركب محمد الخامس بالدار البيضاء، وبناء مدرجات إضافية في ملعب 20 غشت بالخميسات وكذلك بملعب العبدي بالجديدة، وتزويد ملعب الانبعاث بأكادير بعشب اصطناعي، كما تروج في الأوساط الرياضية أخبار حول بناء مركب رياضي بمارتيل وآخر بخريبكة.

انفلات الأسعار يهدد المغاربة بالمجاعة

بعد الزيادات الصاروخية في أسعار المواد الغذائية

أنس العقلي/جريدة المستقل

عرفت المواد الغذائية الأساسية خلال الأشهر الأخيرة زيادات قياسية غير مسبوقة، وهو ما جعل الأمم المتحدة تصنف المغرب في خانة الدول المهددة بالمجاعة، وإذا كان المغاربة قد أعلنوا انهزامهم أمام ارتفاعات الأسعار الحالية، فإن هذه ما تزال مرشحة لارتفاعات مهولة خلال الأيام القادمة..

قالت نانسي رومن مديرة الاتصالات ببرنامج الأمم المتحدة للأغذية والزراعة إن تواصل ارتفاع أسعار المواد الغذائية يهدد بارتفاع نفقات الأسر المغربية، وبالتالي حدوث اضطرابات اجتماعية بسبب سوء التغذية والجوع ذي الطابع الخاص. ويبقى المغاربة مهددين بالجوع إلى جانب كل من بوركينا فاصو والكاميرون السنغال. وقالت نانسي رومن إن ارتفاع أسعار الغذاء في الأسواق الدولية منذ صيف 2007 بنسبة 40 في المائة هو السبب الأساسي في هذه الزيادات. ووجهت المسؤولة الأممية في هذا الصدد نداء عاجلا للمجتمع الدولي، شددت فيه على أن الوضع أصبح أكثر حرجا من أي وقت مضى، خصوصا خلال الأشهر الستة الأخيرة. ويذكر أن الفئات الفقيرة من المجتمع المغربي لم تشهد منذ ثمانينات القرن الماضي تدهورا في المستوى العام للمعيشة وانهيارا في القدرة الشرائية مثل الذي شهدته خلال الشهور الأخيرة.

انفلات الأسعار

أصبحت القدرة الشرائية للمواطن المغربي في مهب الريح بعد تقلبات السوق الدولي وبورصات المضاربة في المواد الأساسية، بعد أن أصبحت مجموعة من المواد الغذائية خارج نطاق التحكم، على رأسها الحبوب والزيوت والحليب والخضراوات واللحوم بأنواعها. في الوقت الذي أصبحت فيه الحكومة المغربية عاجزة عن التصدي لانعكاسات الأسعار الدولية على السوق الداخلي، وأصبحت ترفع شعار حرية الأسعار وتكتفي بحصر دائرة اهتمامها في دعم المحروقات والسكر والخبز. ومما زاد الطين بلة اعتماد الحكومة الضريبة على القيمة المضافة مما زاد في تأجيج لهيب الأسعار أكثر فأكثر.
وتم يوم الأربعاء الماضي إقرار زيادة جديدة في أسعار غاز البوتان، حيث ارتفع ثمن القنينة الصغيرة من عشرة دراهم إلى خمسة عشر درهما، بينما ارتفع ثمن القنينة الكبيرة من أربعين إلى خمسين درهما دفعة واحدة، وتعتبر هذه الزيادة الصاروخية الأولى من نوعها من سنوات.
وما دامت مادة البوتان مقننة الأسعار وتدعمها الحكومة من خلال صندوق المقاصة، فمن هي الجهة التي رخصت بالزيادة في أسعار غاز البوتان؟ خصوصا أن الحكومة خلال السنتين الأخيرتين أعلنت عن مجموعة من الزيادات في أسعار المحروقات، واستثنت منها غاز البوتان تفاديا للتأثير على القدرة الشرائية للمواطن البسيط.
وعرف زيت المائدة بدورة ارتفاعا مهولا خلال الشهور الأخيرة تجاوز المائة بالمائة، حيث انتقل سعره في ظرف وجيز من ثمانية دراهم إلى خمسة عشر درهما للتر، ويعزى سبب ذلك إلى دخول مادة الصوجا المستعملة في صناعته، في صناعات أخرى، مما جعل أسعارها ترتفع بشكل مطرد في الأسواق العالمية.
وقد تجاوزت نسبة الزيادة بالنسبة لبعض المواد الغذائية الأخرى أيضا مائة بالمائة، كما هو الشأن بالنسبة لمادة الدقيق، حيث انتقل سعرها تدريجيا في مدة قياسية من 5.50 إلى 6.50 درهما ليصل في الأخير إلى عشرة دراهم، وهو سعر قياسي يهدد بقوة القدرة الشرائية للمواطنين. وعرف القمح بدوره زيادة صاروخية بلغت بنسبة ثلاثين بالمائة، حيث انتقل السعر من 455 درهما إلى 650 درهما للقنطار الواحد.
ومست الزيادات أيضا مشتقات القمح كمادة السميد التي وصل سعر الكيلوغرام منها إلى تسعة دراهم بعدما لم يكن يتجاوز ستة دراهم. وقد فوجئ المواطنون بسلسلة الزيادات المتتالية خلال فترة قياسية التي أصبحت حديث الناس وشغلهم الشاغل.
ويواجه المواطن المغربي غلاء المواد من جهة، والمضاربات في الأسعار من جهة أخرى، حيث يعمد التجار الانتهازيون إلى استغلال الفرص والاحتكار والزيادة في أسعار المواد بشكل غير قانوني، مع عدم تعليق لائحة الأسعار في ظل غياب مراقبة حقيقية.

انتفاضة المواطنين

وعرفت مجموعة من المدن المغربية العديد من الاحتجاجات والمظاهرات العارمة بفعل تردي الأوضاع وغلاء المعيشة واحتكار الثروات، ولم تكن أحداث صفرو في 23 من شتنبر الماضي سوى بداية لمجموعة من الوقفات الاحتجاجية ضد الغلاء، التي نظمتها التنسيقيات في مجموعة من المدن والمراكز، رغم التشديد في إجراءات الترخيص بخصوصها، تفاديا للانفلات الذي جرى بصفرو وضواحيها.
ومن بين مظاهر الاحتجاج لدى المواطنين انتفاض الشارع المراكشي يوم الجمعة 29 فبراير 2008 بباب دكالة، حيث انضم مئات المواطنين إلى الوقفة الاحتجاجية التي نظمتها التنسيقية المحلية لمناهضة الغلاء وتدهور الخدمات الاجتماعية. وعكست الوقفة الغضب الذي أصبح الكثيرون يشعرون به وهم يعاينون تزايد الأسعار أمام قلة ذات اليد وهزالة الأجور.
ورفع المتظاهرون في مراكش شعارات مناوئة لغلاء الأسعار في الوقفة التي دامت أكثر من ساعة ونصف. كما حملوا خبزات صغيرة تعبيرا منهم على غلاء المعيشة وتنديدا بالزيادات المتتالية في مادة الدقيق والمواد الغذائية الأخرى، وكذلك ارتفاع أسعار المواد الأساسية والخدمات الاجتماعية، من فواتير الماء والكهرباء ورسوم العلاج، التي كانت بمثابة النقطة التي أفاضت كأس الغضب الجماهيري في مختلف
جهات المغرب.
وعرفت العاصمة الرباط بدورها احتجاجات للمواطنين على ارتفاعات الأسعار، حيث سبق للتنسيقية الوطنية لمناهضة ارتفاع الأسعار أن نظمت مسيرة وطنية يوم 24 دجنبر 2006 بالرباط تحت شعار ''جميعا ضد ضرب القدرة الشرائية للجماهير الشعبية''، وشاركت في المسيرة 73 منسقية من مختلف أقاليم المملكة.
ورفع المحتجون خلال المسيرة شعارات منددة بارتفاع لأسعار، كما رفعوا قطع الخبز تعبيرا عن الاحتجاج على الزيادة في المواد الغذائية. وقام بعض الشباب تعليق علب فارغة للحليب على صدروهم وحمل ملاعق وصحون، للتعبير عن ارتفاع الأسعار، كما حمل بعضهم أعلام ''تشيغفارا'' بينما حمل البعض الآخر العلم الفلسطيني.
السوق المغربية والسوق الدولية
ينعكس تزايد أسعار النفط والفحم في الأسواق الدولية بشكل مباشر على الأسعار بالمغرب، وقد أصبحت الزيادات المتتالية في سعر استهلاك الوقود بالمغرب، وما يعقبها في الغالب من ارتفاع في أسعار بعض المواد الأساسية والخدمات، تثير قلقا كبيرا لدى العموم، لارتباطها المتزايد بتقلبات الأسعار العالمية للبترول. وقد اكتفت الدولة في كل مرة بتبرير الزيادة في أسعار المحروقات بارتفاع أسعار البترول في الأسواق العالمية، كما بررت الزيادة الأخيرة في سعر استهلاك الكهرباء بصعود أسعار الفحم وباقي المحروقات، والتي تدخل بنسبة تسعين بالمائة في إنتاج الطاقة الكهربائية بالمغرب، في غياب بدائل أخرى للطاقة.
فعلى سبيل المثال اضطرت الحكومة المغربية إلى تقرير زيادات في مادة السكر، التي يستوردها المغرب، بسبب ارتفاع تكلفة مادة "الميتانول" المستخرجة من قصب السكر، بسبب ارتفاع أسعار البترول، وهو ما أدى إلى تقلص العرض من السكر في الأسواق العالمية، وبالتالي إلى زيادة سعر بيعه في هذه الأسواق، وزيادة سعره تبعا لذلك بالأسواق المغربية.
ونفس الشيء يقال عن زيت الزيتون التي ارتفع الطلب على استهلاكها في ظل تراجع مستوى الإنتاج بالعديد من الدول المصدرة، خاصة بأسبانيا، وهذا ما أدى إلى ارتفاع قياسي في ثمن بيع هذا المنتوج بالمغرب.
إن الحكومة المغربية لا يجب أن تقوم بدور المتفرج حيال هذا الارتفاع الجنوني في أسعار المواد الأساسية، بل هي مجبرة على الأقل على وضع استراتيجية عمل، كما هو الحال في بعض الدول الإفريقية كسييراليون، من أجل تأمين نسب مهمة من حاجيات الاستهلاك الضرورية. كما يجب العمل على رفع أجور ذوي الدخل المحدود وتطبيق السلم المتحرك للأجور بما يوازي الحد الأدنى للمعيشة، حتى لا ينضاف المغرب صاحب الأراضي الخصبة والبحار الغنية إلى الدول التي تعاني من المجاعة.

عباس وحكومة الإفلاس

شهد المغرب عدة إخفاقات في العديد من المجالات منذ توليه منصب الوزير الأول

أنس العقلي/جريدة المستقل

إذا كان المثل المغربي يقول "النهار باين من صباحو"، فإن حكومة عباس الفاسي صاحبتها الإخفاقات حتى قبل ميلادها، حيث جاءت هذه الحكومة ابنة غير شرعية لانتخابات استثنائية نزلت نسبة المشاركة فيها إلى 37 بالمائة في سابقة من نوعها بالمغرب، ومنذ تولي عباس منصب الوزير الأول والنكسات تنزل بالمغارب تباعا، بداية من الارتفاعات غير المسبوقة في الأسعار، مرورا بمحاكمات الصحفيين وسجن المسنين بتهم المس بالمقدسات، ووصولا إلى النكسات المتتالية التي حلت بالرياضة الوطنية..

بعدما دامت حكومة التناوب خمس سنوات ما بين 1997 و 2002 تحت رئاسة عبد الرحمان اليوسفي، جاءت حكومة التكنوقراط إدريس جطو، التي احتج عليها بعض الأحزاب في أول الأمر، حيث كان حزب الاتحاد الاشتراكي يتكلم عن المنهجية الديموقراطية، قبل أن يضطر إلى مسايرة قطار المنهجية التكنوقراطية.

حكومة نجاة

دام المخاض العسير خمس سنوات من 2002 إلى 2007، ليعرف المغرب انتخابات استثنائية من حيث عدد المشاركين، حيث سجلت انتخابات 7 شتنبر 2007 أضعف نسبة مشاركة في تاريخ البلاد، لم تتجاوز 37 بالمائة من عدد المواطنين.
وهكذا حصل حزب الاستقلال على 10.7 بالمائة من 37 بالمائة المصوتة، ليتم تعيين عباس الفاسي وزيرا أول؛ بعدما نجا من قضية النجاة، التي قضت على آمال آلاف الشباب المغربي المعطل، حيث لجأ بعضهم إلى القضاء وقاموا برفع دعاوى ضد عباس، بينما بلغ الأمر بالبعض منهم إلى الإقدام على الانتحار.
هذه النتائج الهزيلة جعلته أضعف وزير أول في تاريخ المغرب، وانعكس ذلك حتى على مشاركته في انتقاء تشكيلة الحكومة حيث كان المستشار الملكي عبد العزيز مزيان بلفقيه وراء اقتراح أسماء العديد من الوزراء وتقديمهم للملك بعد الاستعصاء الذي واجهه عباس الفاسي في انتقاء التشكيلة الحكومية. وعلى ذكر التشكيلة الحكومية فقد تميزت بإنزال عدد من الوزراء اللامنتمين، ويتعلق الأمر بعزيز أخنوش وأمينة بلخضرة وأحمد اخشيشن ونوال المتوكل والسعدية قريطيف (ثرية جبران).
ولم نشاهد أثرا لبصمة عباس الفاسي حتى اليوم، بالرغم من مرور أربعة أشهر على توليه مهمة الوزارة الأولى في أضعف حكومة في تاريخ المغرب، والتي ضمت عددا من ذوي القربى لعباس، مثل صهره نزار البركة الوزير المنتدب لدى الوزير الأول المكلف بالشؤون الاقتصادية والعامة، وقريبته ياسمينة بادو وزيرة الصحة.
ومنذ تولي عباس رئاسة الحكومة تكالبت على المغرب مجموعة من الكوارث تباعا، بداية من الارتفاعات غير المسبوقة في الأسعار، مرورا بمحاكمات الصحفيين وسجن الشيوخ المسنين بتهم المس بالمقدسات، ووصولا إلى النكسات المتتالية التي حلت بالرياضة الوطنية.

مصائب متعاقبة

فقد عرف المغرب منذ مجيء حكومة عباس الفاسي ارتفاعات صاروخية في الأسعار لم يشهد لها مثيلا، ارتفاعات وجدت أمامها شعبا يعاني من تفشي الفقر المدقع والبطالة، حيث كان المغاربة يعانون الأمرين مع الضعف الكبير في القدرة الشرائية حتى قبل هذه الزيادات الأخيرة، وبدل أن تقوم الحكومة الجديدة بحل المشاكل الاجتماعية والاقتصادية الحادة التي يعاني منها المواطن المغربي، اتخذت موقف المتفرج من الارتفاعات القياسية في الأسعار متذرعة بذريعة مسؤولية السوق الدولية في ارتفاع أسعار المواد الأساسية.
وهكذا ولأول مرة عرفت مدينة صفرو احتجاجات وانتفاضات شعبية ضد ارتفاع الأسعار اتخذت طابعا عنيفا، اضطرت معه السلطات إلى الرد بقوة واعتقال مجموعة من المتظاهرين من أجل احتواء الوضع، وذلك بعدما بلغ السيل الزبى وأصبحت القدرة الشرائية للمواطن المفقور في مهب الريح، دون أن تستطيع حكومة عباس فعل أي شيء للتقليل من حدة الأسعار. وقد انتقلت حمى الانتفاضات إلى مجموعة من القرى النائية، ناهيك عن المدن الكبرى كالعاصمتين الاقتصادية والإدارية للمملكة.
ومما زاد الطين بلة التقرير الأخير للبنك الدولي الذي صنف المغرب في خانة الدول المهددة بالمجاعة، بسبب التدني الحاد للقدرة الشرائية لدى المغاربة وهو ما يجعلهم غير قادرين على تحمل الزيادات الصاروخية في الأسعار.
وقد دعا بنك المغرب في بلاغ صدر عنه يوم الثلاثاء الماضي إلى توخي الحذر تجاه مخاطر التضخم الذي قد تواجهها البلاد خلال الأشهر القادمة، حيث توقع مجلس البنك المركزي أن يصل معدل التضخم إلى 2.2 بالمائة خلال السنة الجارية، مقابل 2 بالمائة خلال سنة 2007. وكانت المندوبية السامية للتخطيط في الأسبوع الماضي قد أكدت أن معدل التضخم بالمغرب بلغ 2.4 بالمائة على أساس سنوي في فبراير، متنقلا من 1.7 بالمائة في يناير الماضي نظرا لارتفاع أسعار المواد الغذائية.
ومما زاد في تدهور الوضع الاقتصادي هروب المستثمرين خلال الشهور الأخيرة، بداية من الشركات العملاقة ووصولا إلى المقاولات الصغرى والمتوسطة. ولعل من أكبر الأمثلة ما حدث في مشروع أبي رقراق حيث اختفت شركة "إعمار" الإماراتية التي كانت تمثل الشريك الأساسي لصندوق الإيداع والتدبير، وكانت تتحدث عن استثمار 18 مليار دولار في المشروع. ونفس الشيء حصل مع الشركة السياحية العملاقة "فاديسا"الإسبانية، التي بدأت تتجه نحو بيع بعض مشاريعه لمنعشين مغاربة، ولمقاولات قوية مثل "الضحى".
وقد شهد شاهد من أهلها عندما أكد عبد الله الهوري الكاتب العام للاتحاد العام للشغالين بالجديدة في كلمة الافتتاح التي ألقاها بمناسبة احتفال المركزية النقابية بذكراها التأسيسية الثامنة والأربعين، أن تخليد هذه الذكرى جاء في ظروف حساسة " تتميز باتساع رقعة الفقر والتفقير وغلاء الظروف المعيشية وتفشي الرشوة والزبونية والمحسوبية وظروف الحياة البئيسة التي تتخبط في مستنقعها فئات عريضة من الشعب المغربي ومن العمال الذين يفتقرون إلى التأمينات الاجتماعية". وهكذا لخص الكاتب العام لهذه المنظمة النقابية التابعة لحزب عباس الفاسي معاناة شعب بكامله من الفقر الحاد والارتفاعات المهولة في الأسعار في عهد حكومة عباس.

حكومة السعدية

وجاء في التقرير الأخير لنانسي رومن مديرة الاتصالات ببرنامج الأمم المتحدة للأغذية والزراعة، أن تواصل ارتفاع أسعار المواد الغذائية يهدد بارتفاع نفقات الأسر المغربية، وبالتالي فمن الوارد أن يتسبب في حدوث اضطرابات اجتماعية بسبب سوء التغذية والجوع ذي الطابع الخاص. ويظل المغاربة مهددين بالجوع إلى جانب كل من بوركينافاسو والكاميرون والسنغال. ولم تشهد الفئات الفقيرة من المجتمع المغربي منذ ثمانينات القرن الماضي تدهورا في المستوى العام للمعيشة وانهيارا في القدرة الشرائية مثل الذي شهدته خلال الشهور الأخيرة.
وفي ترتيب برنامج الأمم المتحدة للتنمية البشرية لعام 2007/2008 تراجع المغرب بثلاث نقط، وانتقل
إلى الرتبة 126 من بين 177 دولة، وقد صنف تقرير الأمم المتحدة للتنمية البشرية المغرب ضمن البلدان ذات التنمية البشرية المتوسطة، لكن بمؤشر أقل من المتوسط العالمي، واستعمل التقرير مؤشرات مركبة، تضم متوسط العمر في كل دولة ومستوى الدخل الفردي وتوزيع الثروة، إضافة إلى مستوى التعليم التي احتل فيه المغرب المراتب الأخيرة بين الدول العربية.
وعرف عهد عباس عدة محاكمات للصحف ورجال الإعلام مثل ما حدث لأسبوعية "الوطن الآن"، حيث تم توقيف الجريدة ومحاكمة مديرها عبد الرحيم أريري والصحفي حرمة الله، هذا الأخير الذي تعرض لعقوبة سجنية نافذة. ولم تسلم أنجح المؤسسات الإعلامية المغربية من لعنة المحاكمات والمتابعات القضائية، حيث تعرضت يومية المساء لأربع قضايا توبع من خلالها مدير الجريدة رشيد نيني، وحكم على الجريدة في إحداها بأداء غرامة مالية بقيمة 600 مليون سنتيم في انتظار صدور بقية الأحكام، حيث يبقى رشيد نيني مهددا بالمنع من ممارسة مهنة الصحافة لمدة عشر سنوات.
وقد جاء تقرير منظمة (مراسلون بلا حدود) ليفضح الحيف الذي يمارس في المغرب ضد الصحافة في عهد حكومة عباس، حيث أكد تقرير المنظمة الفرنسية على أن الصحفيين المغاربة في سنة 2007 تعرضوا لكافة المخاطر التي قد تعرض مسارهم المهني للخطر، منها قيام الدولة بمحاكمة وسجن بعض الصحفيين ومصادرة منشوراتهم.
وورد في التقرير أن المغرب بعدما كان يحتل المرتبة 89 عالميا في حرية الإعلام سنة 2002 تراجع إلى المرتبة 106 عام 2007، وأرجع التقرير سبب هذا التراجع إلى أن الدولة استطاعت أن تخنق أصوات الصحفيين من خلال فوزها بأغلب القضايا التي رفعتها ضدهم.
وتميز عهد عباس أيضا بمحاكمات بتهم المس بالمقدسات، إحداها راح ضحيتها رجل بلغ من الكبر عتيا، عمره 95 سنة، حكم عليه بالسجن ثلاث سنوات بتهمة المس بمقدسات البلاد، قضى منها 5 أشهر قبل أن يقضي نحبه في السجن، ونفس الشيء حدث مع المواطن بوكرين من بني ملال البالغ من العمر 72 سنة، الذي تم الحكم عليه بالسجن بنفس التهمة. يحدث هذا في عهد الوزير الأول عباس الفاسي الذي اشتغل سابقا بالمحاماة وطالما كان يطلق النار على القضاء مطالبا بإصلاحه.
كما شهد المغرب منذ مجيء حكومة عباس مجموعة من الإضرابات التي قام بها موظفو مجموعة من القطاعات الحيوية في البلاد، ويتعلق الأمر بقطاعات التعليم والصحة والمالية، بالإضافة إلى السابقة التي شهدها المغرب لأول مرة في تاريخه، وهي انتفاضات واحتجاجات رجال البوليس، الذين خرجوا أخيرا عن صمتهم الذين دام عقودا طويلة.

أخطاؤه فادحة

استيقظ عباس الفاسي ذات صباح من النوم، فظن نفسه وزيرا أول. وأخذ صلاحيات الوزير الأول، حيث كانت وكالات التنمية في الشمال والجنوب والشرق تابعة بشكل مباشر للوزير الأول، ففوتهم لوزير الإسكان والتعمير والتنمية المجالية رفيق دربه في حزب الاستقلال توفيق احجيرة بدون استشارة القصر. وأسابيع بعد ذلك، أصدر الديوان الملكي بلاغا يلغي هذا القرار، فقال عباس الفاسي: "أنا فخور بأن الملك صحح لي هذا الخطأ." رغم أن هذا القرار صودق عليه من طرف كل من مجلس الحكومة والمجلس الوزاري والبرلمان والأمانة العامة للحكومة ونشر أيضا بالجرائد الرسمية.
وكان الخطأ الذي تسبب للمغرب والمغاربة في إهانة مرة أمام الغريم الجزائر هو إصدار وزير الخارجية المغربي بلاغا يدعو فيه الجزائر إلى فتح الحدود مباشرة بعد مفاوضات منهاست، وقوبل الطلب برفض راديكالي من الجزائر، وهو ما شكل إهانة للمغرب والمغاربة.
وتوالت الأخطاء في حكومة عباس الفاسي عندما قام وزير الداخلية شكيب بنموسى بكشف أسرار التحقيق في قضية بلعيرج، وسبق الأحداث والقضاء وأدان المتهمين قبل أن تدينهم المحكمة، وجاء الخطاب الملكي ليؤكد أن القضاء هو الذي يملك سلطة الإدانة أو التبرئة.
وانتقلت عدوى الإخفاقات التي شهدها المغرب في عهد حكومة عباس إلى المجال الرياضي، الذي لم يسلم بدوره من مجموعة من النكسات التي كان آخرها مهزلة نهائيات غانا 2008، وإذا كان الإجماع يحصل اليوم حول أن التسيير الرياضي التقليدي هو المسؤول عن هذا التراجع، فحكومة عباس الفاسي يؤاخذ عليها عدم قدرتها على وضع حد لسيطرة العسكر على كرة القدم، وبالتالي الدخول بالرياضة المغربية إلى مرحلة جديدة أكثر تطورا ودينامية ومواكبة لمستجدات العصر. ورغم انتفاضة الشارع المغربي وإجماعه الملح على إقالة الجامعة، فإن سعادة الوزير الأول لم يخرج عن هدوئه الأولمبي.
ومن المنتظر أن يكون أول نجاح للوزير الأول عباس الفاسي هو المشروع الذي يسعى حاليا لإنجازه، والذي يتعلق بتعديل قانون حزب الاستقلال ليصبح العدد الأقصى للولايات المسموح به للكاتب العام للحزب هو ثلاث ولايات بدل ولايتين. وبما أن عباس قد شارف على إنهاء ولايته الثانية، فقد أصبح اليوم يطمع في ولاية ثالثة تضمن له الحق في البقاء على رأس الحزب وفي منصب الوزير الأول.